فصل: تفسير الآيات (1- 6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة الناس:

نزولها: مدنية، وقيل مكية.. نزلت بعد سورة الفلق.
عدد آياتها: ست آيات.
عدد كلماتها: عشرون كلمة.
عدد حروفها: تسعة وسبعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
هى امتداد لسورة الفلق قبلها، ومتممة لما يستعاذ باللّه منه.
والمعوذتان أشبه بسورة واحدة، ولهذا فقد جمعهما اسم واحد:
المعوذتان:
بسم اللّه الرّحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 6):

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)}.
التفسير:
كان العياذ في سورة الفلق بربّ {الفلق}، أي رب المخلوقات جميعها.
وهنا في سورة الناس، يأتى الأمر بالاستعاذة، بربّ الناس، من الناس، وهم بعض ما خلق اللّه سبحانه وتعالى.
وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى في هذه السورة، بثلاث صفات: أنه سبحانه {رب الناس} أي مربيهم، والقائم عليهم بعد خلقهم.. وأنه جلّ شأنه: {مَلِكِ النَّاسِ} أي مالك أمرهم، وباسط سلطانه عليهم، وأنه سبحانه {إِلهِ النَّاسِ} أي سيدهم، وهم عبيده، يتصرف فيهم كيف يشاء، بماله من سلطان عليهم.
وقد يقال: إن صفة الألوهية يقوم لها السلطان المطلق على المألوهين من غير داعية إلى ربوبية، أو ملك.. فما داعية ذكر الربوبية والملك هنا؟
والجواب- واللّه أعلم- أن ذكر الربوبية بيان لفضل اللّه وإحسانه على عباده، وأنه لم يملكهم إلا وقد خلع عليهم خلع الربوبية، فرباهم، ونشّأهم، وأمدّهم بكل ما هم في حاجة إليه.. فملكهم بإحسانه وفضله، قبل أن يملكهم بجبروته وقهره.. وفى ذكر الملك، إشارة إلى أن اللّه سبحانه إنما يربّى ما يملك، ويتصرف فيما هو له.
فإذا قامت الألوهية على الناس بعد هذا بسلطانها، لم يكن هذا السلطان سلطان قهر وجبريّة، وإنما هو سلطان فضل وإحسان، سلطان المالك فيما ملك.
وقد جاءت هذه الصفات الثلاث للّه سبحانه على هذا الترتيب: الربوبية فالملك، فالألوهية، لتكشف عما للّه سبحانه في الناس من سلطان متمكن، قائم على العدل والإحسان.. فهو سبحانه المربّى والمنشئ لهم.. وقد يربّى المربّى، وينشّئ المنشئ ولا يملك ما ربّاه ونشّأه.. ولكن اللّه سبحانه، هو المربى، وهو المالك لما يربى.. ثم إنه قد يربى المربى، ويملك ما يرّبيه، ولكن لا يقوم له سلطان متمكن على ما يربيه ويملكه، فقد يخرج عن يده لسبب أو لآخر.. ولكن اللّه سبحانه هو المربى والمالك لما يربى، والإله القائم بسلطانه المطلق على ما ربّى وما ملك! وفى تخصيص الناس بالاستعاذة منهم، وفى جعل هذا في سورة خاصة بهم تسمى سورة الناس في هذا إشارة إلى أن الناس، من بين المخلوقات التي يعرفونها، هم الذين يفعلون الشر، بما ركب فيهم من إرادة عاملة، قادرة على أن تتجه نحو الخير، أو الشر.
فكل مخلوق- فيما يرى الإنسان ويعلم- قائم على فطرة، لا يتحول عنها، ولا يأخذ طريقا غير طريقها الذي أقامها اللّه سبحانه وتعالى عليه.
ومن هنا، ترى جميع المخلوقات، التي تعايشنا على هذه الأرض تحكمها طبيعة واحدة، في كل جنس من أجناسها، أو نوع من أنواعها فأفراد الجنس الواحد، أو النوع الواحد، كلها على طريق سواء، في حياتها، لا يختلف فرد عن فرد، ولا تشذّ جماعة عن جماعة، في أي مكان وأي زمان.
فالنملة الواحدة، هي النمل جميعه، والنحلة الواحدة، هي النحل كله، والغراب الواحد، هو الغربان جميعها، والذئب الواحد، هو الذئاب كلها.
وهكذا، كل فرد في جنسه، يحمل تاريخ الجنس كله، لا تحتاج في التعرف على هذا الجنس إلى أكثر من التعرف على فرد منه.. في أي مكان وفى أي زمان.
ومن هنا كان من الممكن رصد الشرور الناجمة من بعض الحيوان، والعمل على توقّيها، وأخذ الحذر منها.. فإنه إذا عرف الشرّ أمكن توقّيه، وسدّ المنافذ التي ينفذ منها.
وليس كذلك الإنسان.. فكل إنسان عالم وحده، له وجوده الذاتي، وله عقله، وإدراكه، وتصوراته، ومنازعه، وخيره، وشرّه.. وهيهات أن يلتقى إنسان مع إنسان لقاء مطابقا في جميع الوجوه، ظاهرا وباطنا.
ولهذا فإنه لا يمكن رصد شرور الناس، بل إنه لا يمكن رصد شرّ إنسان واحد، ولا رسم الحدود التي يقف عندها.. ومن هنا كانت الاستعاذة من الناس، على هذا الوجه الخاص، لأن الشرور التي تقع منهم، بل من أىّ واحد منهم، كثيرة لا تحصى، متعددة متنوعة، لا تحصر.. ولعل هذا هو بعض السر في تكرار لفظ {الناس} ثلاث مرات في مطلع السورة، فهم ليسوا ناسا وحسب، بل هم ناس، وناس، وناس.. إنهم في مجموعهم، أخيار، وأشرار، وخليط من أخيار وأشرار.. وهم في أفرادهم: خير، وشر، وخليط من الخير والشر.
فالإنسان يحسن، ويسيء، ويقف موقفا بين الإساءة والإحسان.
قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} هو بيان للمستعاذ منه، برب الناس، ملك الناس، إله الناس.
والوسواس الخناس: هو ما يطرق الإنسان من وساوس وظنون، مما تسوّل له به نفسه، من منكرات، وما يزين له به إخوان السوء، وما يغريه به أهل الضلال من مفاسد، وآثام.
وتسمية هذه الطوارق المنكرة، وتلك الواردات المضلّة، بالوسواس، لأنها تدخل على الإنسان في مسارّة ومخافتة، وتلقاه من وراء عقله، وفى غفلة من ضميره.. إنها توسوس له، وتهمس في صدره، دون أن يحضرها عقله، أو تشهدها حواسه.
وهذا واضح إذا كان هذا الوسواس من ذات الإنسان نفسه، ومن نزغات شيطانه.
أما إذا كان هذا الوسواس من شيطان من شياطين الإنس، فإن الوسوسة تكون بينه وبين من يوسوس له، بمعزل عن أعين الناس، وعن أسماعهم، حتى لا يروا ولا يسمعوا هذا السوء الذي يوسوس به، ولا هذا المنكر الذي يدعو إليه.
وهكذا المنكرات والآثام، لا يدعى إليها علانية، كما لا يأتيها مقترفوها علانية.. إنها لا تتمشّى إلا في الظلام، ولا يلتقى بها أصحابها المتعاملون بها- من داعين بها ومدعوين إليها- إلا في تلصص ومسارقة.
وفى وصف الوسواس بالخناس.
إشارة إلى أنه يخنس، أي يغيب شخصه ويتلاشى وجوده، وهو يؤدى مهمته بما يوسوس به، فلا يرى المستمع له ظلا لشخصه، ولا يحسّ وجودا لذاته، وإنما الذي يتمثل له في تلك الحال هو شخوص ما يوسوس له به، ووجوه ما يدعو إليه.. فالموسوس- لكى يؤدى دوره على أتمّ وجه- ينبغى أن يغيب شخصه، وأن يختفى وجوده، حتى يخلى المكان لما يوسوس به، فلا يشغل الموسوس إليه بشيء عنه، ولا يتمشى في صدره شيء غير تلك الوسوسة.
وفى قوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} وفى جعل الوسوسة في الصدور، مع أنها تكون في الآذان- إشارة إلى أن هذه الوسوسة إنما تتدسس إلى الصدور، دون أن تشعر بها الآذان، وأنها لا تحدث أثرها السيّء إلا إذا أخذت مكانها من الصدور، أي القلوب، ووقعت منها موقعا.. على خلاف الآذان، فإن كثيرا من وساوس السوء تطرقها، ثم لا تجد لها من أصحابها أذنا صاغية، فتسقط ميتة، وتدرج في أكفان الريح! وقوله تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} {من} هنا بيانية، تكشف عن وجه الوسواس الخناس، وهو أنه إما أن يكون إنسانا، أو شيطانا.. من عالم الإنس، أو عالم الجن.
والوسواس الخناس- كما قلنا- كائن لا يكاد يرى شخصه، حين يوسوس، حيث يتدسس إلى من يوسوس إليه خفية، ويدخل عليه من حيث لا يشعر.
ولهذا جمع اللّه سبحانه وتعالى بين الوسواس من عالم الإنس، والوسواس من عالم الجن.. فالإنسان الذي يوسوس للناس بالسوء، ويغريهم به.
هو شيطان، في خفاء شخصه، وفى عداوته للإنسان، وفيما يحمل إليه من شر، وإن على الإنسان أن يحذر هذا الوسواس من الناس كما يحذر الشيطان.
وعبّر عن الشيطان هنا بلفظ الجن، للدلالة على خفائه، وعدم إمكان وقوع العين عليه، وإن كان له لمة يعرفها المؤمن، ونخسة يشعر بها، ويعلم أنها من وارداته.
وعالم الجن، أو الشيطان، وإن يكن غير منظور لنا، فإن علينا الإيمان به، وأنه يعيش معنا على هذه الأرض، ويرانا من حيث لا تراه، كما يقول تعالى عن الشيطان: {إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} [27: الأعراف] وهذا العالم غير المرئي، هو عدوّ لنا، متربص بنا، أشبه بجراثيم الأمراض التي لا ترى بالعين المجردة، وإن كان يمكن رؤيتها بأجهزة خاصة، كما يمكن أن يرى الشيطان لكثير من المؤمنين بعين البصيرة لا الإبصار، فلنحذر هذا العدو الراصد، كما نحذر الوباء، كما يقول سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [6: فاطر] وإنه ليس علينا أن نبحث عن كنه الشيطان، ولا عن حياته الخاصة في عالمه، ولا عن طعامه، شرابه، ونزاوجه، وتوالده.. وإنما الذي علينا أن نعلمه، هو أنه عدوّ غير مرئىّ لنا، وأنه يتدسس إلى مشاعرنا، ومدركاتنا، وعواطفنا، ويحاول جاهدا أن يؤثر فيها، وأن يخرج بها عن جادّة الحق والخير، إلى طريق الغواية والضلال، فيزين لنا الشر، فنراه خيرا، والضلال، فتراه هدى! والشيطان، ليس هو النفس الأمارة بالسوء، كما يرى ذلك بعض الناس، وإنما هو كائن له وجوده المستقل خارج العالم الإنسانى، وله حياته الخاصة، شأنه في هذا شأن الكائنات والعوالم غير المرئية التي تعيش معنا، كالجراثيم، والهواء، بل والإنسان الذي يلبس ثوب الوسواس.. فإنه شيطان غير مرئى.
وهو- أي الشيطان- مخاطب خطابا مستقلا من اللّه سبحانه وتعالى، كما هو شأن الإنسان، وهو محاسب، ومجازى على ما يعمل، وفى هذا يقول اللّه تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [64- 65 الإسراء] ويقول سبحانه: {وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [112: الأنعام].. ويقول جل شأنه: {وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً} [6: الجن].. وقد سخر اللّه بعض الجن لسليمان- عليه السلام- كما سخر له الريح.. فقال تعالى: {وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ} [82 الأنبياء] وقال سبحانه: {يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ} [13: سبأ].
فالشيطان أو الجن، عالم غير منظور، يقابل عالم الإنسان المنظور، وبين العالمين احتكاك أشبه بالاحتكاك الذي يقع بين الإنسان والإنسان، وفى احتكاك الإنسان بالإنسان يتولد خير وشر.. أما احتكاك الشيطان بالإنسان، فلا يتولد منه إلا شر محض.. كما يتولد الشر من احتكاك الإنسان بالإنسان في مجال العداوة والبغضاء.. وليس بين الشيطان والإنسان إلا عداوة دائمة متصلة، وليس يرد على الإنسان من الشيطان إلا السوء الخالص، والشر الصريح، كما يقول سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ} [6: فاطر] فاللهم احفظنا من وساوس النفس وأهوائها، ومن كيد الشيطان وزغانه، واجعل لنا من لدنك وليّا، واجعل لنا من لدنك نصيرا، حتى نستقيم على طريقك القويم، ونبلغ بعونك وتوفيقك ما يرضيك عنّا، ويدخلنا في عبادك الصالحين في الدنيا والآخرة.. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} {رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً} وصلّ اللهم وسلم على محمد، نبيك ورسولك، الرحمة المهداة، والنور المبين، الذي اهتدينا به، وبما تلاه علينا من كتابك الكريم، وعلى آله، وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وسلك سبيله. وسلام على المرسلين، والحمد للّه رب العالمين، فاتحة بدء، وحسن ختام.
هذا، وكان غاية هذه الرحلة المباركة في رياض كتاب اللّه، وفى صحبته، تلك الصحبة المسعدة المتصلة مع آياته، آية آية، ومع كلماته، كلمة كلمة، حتى استوفت القرآن الكريم كله- كان ذلك صباح يوم الخميس المبارك، لتسعة عشر يوما خلت من جمادى الأولى سنة تسعين وثلاثمائة وألف، من هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، الموافق لليوم الثالث والعشرين من شهر يوليو سنة ألف وتسعمائة وسبعين ميلادية.
وعلى زاد هذه الرحلة المباركة، نعيش ما بقي لنا من أجل، ومن جنى ثمارها الطيبة المباركة، نعطى مما في وسعنا، وننفق مما في أيدينا.. نبتغى بذلك وجه اللّه، وحسن المثوبة، وكريم الشفاعة من كتاب اللّه، ومن رسول اللّه، فهما وسيلتي إلى اللّه، أرجو بهما خير الدنيا، وحسن ثواب الآخرة: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} كما أسأله- سبحانه- أن يبارك لى في زوجى التي هيأت لى أسباب التوفر على هذا العمل، وكانت لى رفيق سفر في هذه الهجرة المباركة إلى كتاب اللّه.. فجزاها اللّه عنّى خيرا، وأقرّ عينها وعينى بوحيدتنا هناء وبارك لنا فيها، وتولّاها برعايته وتوفيقه، وجعلها من أحبابه وأهل ودّه، في الدنيا والآخرة. إنه سميع مجيب.
هذا، وقد كنا على نية أن نلحق بخاتمة هذا التفسير، تعريفا بالمؤلف، يتناول حياته، وثقافته، وظروف الحياة التي تلبست به وهو بين يدى هذا التفسير، وأحداث عصره التي أثّرت فيه.. فذلك- في رأينا- مما يرفع لعينى الدارس لهذا التفسير صورة للمؤلف، توثق الصلة به، وتجعل حديثه إليه بظهر الغيب، حديث مشاهدة ومشافهة، وبهذا يتسع بينهما مجال المحاورة والمجادلة، وتكثر في طريقهما مواقف المراجعة والحساب، الأمر الذي من شأنه أن يبعث نشاط الدارس، ويستثير ملكاته، ويشعره دائما أنه في مواجهة من يحاسبه ويراجعه، ويحصى عليه غفلاته، وشرود خواطره، كما يحاسب هو المؤلّف ويراجعه، ويأخذ عليه غفلاته وهفواته! نعم، كنت على هذه النية، حتى إذا كتب القلم آخر كلمات في تفسير سورة الناس، وأردته على أن يمضى معى فيما انتويته من كتابة التعريف بالمؤلف، أبى إلا جماحا وشرودا، وبدا لى أن يد القدر تمسك بالقلم عن أن يمضى لما قصدت إليه، وأن من الخير أن يخرج هذا التفسير خالصا من كل ما ليس من صميمه!! لهذا عوّلت على أن يكون التعريف بالمؤلف، وما اتصل به في عصره من أشخاص وأحداث- في كتاب خاص، يلحق به ما يسفر عنه ظهور هذا التفسير وتداوله في محيط العلماء والدارسين، وما لهم فيه من آراء.. فإلى لقاء مع المؤلف في هذا الملحق.. إن شاء اللّه.
كلمة شكر:
على أنه لا يفوتنى هنا أن أسبق هذا الكتاب المرتقب، فأبادر بتقديم خالص الشكر للسادة العلماء في آفاق العالم الإسلامى، الذين استقبلوا هذا التفسير بكثير من الحمد والرضا، سواء منهم من تابع الاطلاع، والدراسة، والتعقيب، على كل جزء تم طبعه من هذا التفسير، أو من أقام رأيه فيه على أول جزء ظهر منه، مقدّرا أن مبادئ الأمور تدل على خواتيمها، وأن مطالع الزهر، ينبئ عن وجوه الثمر.. وسواء من هؤلاء السادة العلماء من كان ثناؤه خالصا، ومن جاء حديثه موجّها ناصحا.. فلهؤلاء وهؤلاء جميعا أوجّه عظيم الشكر ومزيد الحمد.
وإنى لأذكر هنا بالحمد والثناء ما لقى هذا التفسير وصاحبه من أسرة مجلة قافلة الزيت بالمملكة العربية السعودية من احتفاء وتنويه.. فمنذ صدر الكتاب الأول من التفسير القرآنى والمجلة ترصد حركاته، وتعلن عن مولد كل جديد منه.. حتى إذا كاد يكتمل ويبلغ الغاية تفضلت أسرة المجلة بتقديم هدية كتابية ثمينة طىّ رسالة رقيقة من رئيس تحريرها الأستاذ الجليل منصور مدنى فكان ذلك خير جزاء معجل في الدنيا لهذا الجهد الذي بذلته ابتغاء وجه اللّه، والذي أرجو أن يكون لكل من ساعد في هذا الجهد، بقول أو عمل، جزاؤه من واسع فضل اللّه، وعظيم إحسانه، فإنه لا يشكر اللّه، من لا يشكر الناس.
فجزى اللّه أسرة مجلة قافلة الزيت عنّى خيرا، وأجزل المثوبة لمديرها العام الأستاذ الكبير مصطفى حسن الخان ومديرها المسئول الأستاذ الفاضل على حسن قناديلى ورئيس تحريرها الأستاذ النبيل منصور مدنى ومحررها المساعد الأستاذ الفاضل عونى أبو كشك.
أما الأستاذ- محمد محمود الخضرى- صاحب- دار الفكر العربي، وناشر هذا التفسير، والذي وقف إلى جانبى بكل ما يملك من جهد، وواصل المسيرة معى خطوة خطوة، من بدء هذه الهجرة إلى كتاب اللّه حتى نهايتها- غير ضنين بجهد أو مال في سبيل تحقيق هذه الرسالة، ابتغاء خدمة كتاب اللّه، وتيسير آياته للذكر، وتعميم النفع به- فهو قسيمى فيما نرجو من حسن المثوبة، وكريم العطاء من رب العالمين، فجزاه اللّه خيرا، وبارك عليه في ولده، وأهله، وماله، ورعى اللّه هذه الدار العربية الإسلامية، ورعى العاملين بها، السادة: فهمى حامد على مدير الدار، وأمين محمد محمود الخضرى، وبدوي بدوي مصطفى.. والأين العزيز محمد عبد الغنى السيد، الذي شارك مع أخى وزميلى الأستاذ الجليل سيد طلبه القصّاص، في عملية المراجعة والتصحيح أثناء عملية الطبع،. وكان لهما فضل كبير في تجنب كثير من الأخطاء.
فلقد كان هؤلاء جميعا يتعبدون للّه في محراب العمل معى، لإخراج هذا التفسير، ودفع العوائق التي تعترض سبيله، أو تعوّق مسيرته.
هذا، ومن توفيق اللّه، ومن تيسيره لهذا العمل، أن تتولى طبعه وإخراجه مطبعة السنة المحمدية التي أسسها العالم الحافظ الإمام المجتهد، محيى السنة، المرحوم الشيخ محمد حامد الفقى.
فقد أقام هذه المطبعة على أساس من تقوى اللّه ورضوانه، فطابت فيها مغارسه من رجال، وأعمال، حتى لقد خرجت هذه المطبعة عن أن تكون عملا تجاريّا، إلى دار عبادة، ومحراب صلاة.. ولهذا تجدنى إذ أذكر صاحب هذه المطبعة، وأدعو له بالرحمة والرضوان، أذكر أبناءه وتلاميذه الذين ربّاهم فيها على يديه، ونشّأهم على الأمانة والتقوى، وعلى رأسهم ابنه الفاضل الأستاذ محمد الطيب، وتلميذه الوفى البار الحاج أحمد إبراهيم القائم على إدارة المطبعة، وتصريف شئونها، في مراقبة اللّه، وإخلاص في العمل، وحفيده محمد سيد احمد، ومريدوه: الشيخ محمد محمد نصر الدين، وعبد الرازق محمد الكاشف، وجميع عمال المطبعة، الذين حملوا الأمانة، وصدقوا ما عاهدوا اللّه عليه.
ولو أنى ذهبت أذكر جميع الذين لهم فضل المشاركة والمعاونة في هذا الكتاب لا تسع مجال القول، وجاوز الحدّ الذي عزمت على التزامه، والوقوف عنده في المقام.
فشكرا شكرا، لكل من شارك في هذا التفسير من قريب أو بعيد، في سرّ أو علن.
وَ{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى}.
{سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ}.